رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
550
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
يكون تقدير الكلام : فلمّا آتى اللَّه آدم وحوّا الولد الصالح الذي تمنّياه وطَلَباه ، جعل كفّارة أولادهما ذلك مضافاً إلى غير اللَّه ، ويقوّي هذا التأويل قوله : « فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ » وهذا ينبئ على أنّ المراد بالتثنية ما أردناه من الجنسين أو النوعين ، وليس يجب - من حيث كانت الكناية المتقدّمة راجعة إلى آدم وحوّا - أن يكون جميع ما في الكلام راجعاً إليهما ؛ لأنّ الفصيح قد ينتقل من خطاب مخاطب إلى غيره ، ومن كناية إلى خلافها ؛ قال اللَّه تعالى : « إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ » « 1 » فانصرف من مخاطبة الرسول إلى مخاطبة المرسل إليهم ، وقال : « وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ » يعني الرسول صلى الله عليه وآله ، ثمّ قال : « وَتُسَبِّحُوهُ » « 2 » يعني مُرسِل الرسول ، فالكلام واحد متّصل بعضُه ببعض ، والكناية مختلفة كما ترى « 3 » . أقول : ثمّ استشهد لهذا الباب بعدّة أشعار للفصحاء القدماء . قوله : ( « لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ » « 4 » ، ممّا خُصَّ به علىٌّ عليه السلام ) . [ ح 1 / 645 ] يعني أنّ قوله سبحانه : « لا تأسوا » خطابٌ لنا ، يقول : يا ذرّيّة محمّد ، لا تحزنوا على ما فاتكم وخرج من أيديكم في الظاهر ، وهو ما خصّ به أبوكم عليّ عليه السلام من ولاية الأمر . وقوله : « ولا تفرحوا » خطاب لفلان وأصحابه : الثاني والثالث والمقتفين لأثرهما ، يقول : يا فراعنة آل محمّد ، لا تفرحوا بما آتيناكم من الملك الزائل في أيّامٍ قلائل . وإسناد الإيتاء إليه تعالى مصداق قوله تعالى : « تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ » « 5 » . نزع وايتاءش بوفق حكمت است * هر يكى گاهى غضب گه رحمت است وما يتراءى في ذلك من الإشكال ينحلّ بما سبق في أبواب كتاب التوحيد وتعليقاتنا عليه ، ثمّ إنّ في قوله سبحانه : « لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ » لتعزيةً وتسليةً للمخاطبين به ، ووعداً بإعطاء ما هو خير وأبقى ، كما أنّ في قوله تعالى : « وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ » تهديداً
--> ( 1 ) . الفتح ( 48 ) : 8 - 9 . ( 2 ) . الفتح ( 48 ) : 9 . ( 3 ) . تنزيه الأنبياء ، ص 29 و 30 . ( 4 ) . الحديد ( 57 ) : 23 . ( 5 ) . آل عمران ( 3 ) : 26 .